الرئيسية / مقالات / دكة العم درويش | بقلم نجفيه حمادة

دكة العم درويش | بقلم نجفيه حمادة

في ذلك الحي نورٌ يريح كل متعب أثقلته الحياة بصدماتها وضغوطها، أصبح ملاذًا آمنًا وسورًا حصينًا عن كل هم، دكة في أحد البيوت يلتقي بها كبار السن ويلعب حولهم الصغار بأمان ويتردد عليها الشباب لينهلوا من دكة العم درويش.
رغم التجاعيد الممتلئة في تقاسيم وجه العم درويش إلا أن روحه الرائعة وابتسامته الساحرة تجده وكأنه ابن العشرين تارة وتارة ابن السبعين، فحكمته البليغة سحر رائع تزيح كل الضغوط وبساطة حد الإقناع.
يبدأ تجمّع الدكة من بعد صلاة الفجر حتى المغرب، بينما العم درويش يعد الشاي في أحد الأيام وإذا بالشاب سامي الذي يسكن في المنزل المقابل للدكة يصفع باب سيارته غضبًا ليدخل بيت أهله فرآه العم درويش وناداه: “سامي تعال”، فصرخ: “ليس الآن يا عم درويش”،
العم درويش: “صلّ على النبي يا ابني وتعال”،
سامي: “دقيقة يا عم وأجيك”،
العم درويش: “هيّا أقولك تعال الآن”.
جاء خجلًا وبه الغيظ المخفي “نعم يا عم ماذا تريد؟”،
العم درويش: “أولًا صلّ على النبي، وثاني حاجة ما في شيء يستاهل كل الزعل بالدنيا يا ابني طوّل بالك”،
سامي: “لكن يا عم الحياة يبغي لها صبر والصبر مل مني”،
العم درويش: “ولكن الحياة قدامك حلوة بس تحتاج يا ابني مداراة وقناعة، سيب نفسك معاية شوية وأنا حبسطك، أنت متعصب من زوجتك ولّا عملك؟”،
سامي: “من يعني هو فيه أحد غيرها منكد عيشتي!”،
العم درويش: “النساء نورانية يا ابني، افهم أنها بتمر أحيانًا بتغير في الهرمونات، لازم تصبر عليها بالحب والاهتمام اللي بتقدمه لها بتثبت أركان بيتك وتنثر الحب بينك وبين زوجتك وأولادك ويبقى البيت متينًا، الآن يا ابني روح لها وقول لها يسلم عليكِ العم درويش ويقولك بأن سامي مشتاق لك ولروحك القديمة ممكن تسامحين ونبدأ أقوى من جديد”، كالسحر اقتنع سامي ورحل سعيدًا.
عاد العم يمازح أصدقاءه في الدكة: “ها خلصتوا الشاهي عني صحيح ما تنسابوا لوحدكم”، ضحك الجميع وأخذ يحكي لهم قصص بطولاته في العسكرية.
مرّ من دكة السعادة الطفل يوسف باكيًا فناداه العم: “يوسف يا بابا تعال”، اقترب يوسف ودموعه تتساقط فسأله: “من ضربك؟”،
يوسف: “ضاعت الخمسة ريالات وأنا رايح للبقالة”،
العم درويش: “بس!” فأخرج من جيبه خمسة ريالات وقال له: “يا بابا اللي ضاعت راح تروح لفقير، انبسط وروح للبقالة بس ما تروح لوحدك لازم معاك أحد كبير”، فركض يوسف والسرور والسعادة على محياه.
جاءه من بعيد صديق العمر أبو عبد الرحمن فوقف مهللًا: “ارحبوا يا هلا ومرحبًا بشيخ الشباب”،
أبو عبد الرحمن: “راحت علينا يا درويش حناخذ زمننا وزمن غيرنا”،
العم درويش: “أنت اللي كبرت، أنا لسة شباب أقدر أسابقك وأفوز عليك”.أخذه بالأحضان: “وحشتني يا شيخ”،
أبو عبد الرحمن: “معلش انشغلت مع بنت بنتي المريضة وللآن مو عارفين أيش علّتها”،
العم درويش: “مستشفيات المملكة فيها أطباء سعوديون من النخبة ودّيها على أي مستشفى حكومي وحيقوموا بالواجب”، اتصل أبو عبد الرحمن على ابنته: “سوزان، ليش ما فكرتوا تاخذوها على أي مستشفى حكومي؟!، يمكن الحل عندهم مو في المستشفيات الخاصة”،
سوزان: “شورك وهداية الله يا أبويا”.
هاهاها إنه سحر العم درويش وكأنه نوراني، نيته الطيبة تسوقه لينثر الطيب حوله وهكذا كل من يتعب يعرف أين وجهته، حكمة العم درويش وجلسته الرائعة وكوب شاي صنع بحب وبساطة الروح والمحيا، (وعلى نياتكم ترزقون)!
اختر زاويتك المزهرة بحكمة رائعة بدعاء والديك لك، زوايا الأمل أنت تصنعها، إن أثقلتك ضغوطات الحياة اختر زاوية بسيطة مليئة بالحب، ضحك طفلًا أو شاهد مقطعًا كوميديًا يضحكك أو مارس الرياضة، كن قويًا عزيزي فهناك من يريد سقوطك، لا تستسلم واصنع دكة حولك لتقرب أشباه العم درويش إليك حتى تنجو من تعثرات الحياة، لابد لك الاستسلام لله فقط ومحاربة الألم بالأمل، أشعل شمعة في قلبك أولًا ستزهر روحك لتنثرها على من حولك،
كان الله معنا نحن المحاربين ولكننا نستطيع ما دام العم درويش معنا فالدنيا لساها بخير..
دمتم بسعادة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *