الرئيسية / مقالات / الشوارع الخاوية عنوان الوعي .. للكاتب الأستاذ رائد البغلي

الشوارع الخاوية عنوان الوعي .. للكاتب الأستاذ رائد البغلي

تناقلتْ وسائل إعلامية مُتفرِّقة خلال فترة منع التجول صورًا ومَشاهد لشوارع خاوية من المارَّة من مُدنٍ ومحافظات شتَّى في المملكة، معتبرةً خواء تلك الشوارع عنوانًا للوعي الاجتماعي.
في الواقع، خُواء الشوارع من الناس هو إذعانٌ لقرارٍ رسميٍّ يستوجب العقوبة في حال مخالفته وبالتالي، ليس مقياسًا لوعيهم، وإذا أردنا أن نقيس مستوى الوعي الفعلي فعلينا أن نتأمَّل الشوارع والأسواق في فترة النهار. الوعي المنشود يدفع بصاحبه لاتخاذ قراراتٍ احترازيةٍ ذاتيةٍ قبل انتظارها من أي جهة، لكن ما يحدث من البعض هو مخالفة صريحة لتعليمات الجهات الرسمية.
الذين يراهنون على وعي المجتمع ويعتبرون الشوارع الخاوية ليلًا معيارًا لذلك، قد يحيدون عن رأيهم عندما يشاهدون بعض أفراده يهرعون للأسواق بمجرَّد السماح لهم بالتجوُّل في ساعات الصباح الباكر، ويكتظَّون في المماشي وعلى الطرقات بذريعة ممارسة الرياضة ويهمَّون بالتزاور والتجمُّعات العائلية، وكأن الدولة عطَّلت الحياة للنقاهة والاستجمام وصِلة الأرحام!
مُعظم الأسواق توفِّر شيئًا من الأدوات الوقائية لمُرتاديها كالمُعقمات والقفازات والكمامات، لكنها لا تعلم أنها بذلك تفضح جزءًا من انحدار وعي بعضهم الذي راهنت عليه بعض وسائل الإعلام، فبمجرَّد انتهائهم من عملية التبضُّع يقومون بنزع تلك القفازات والكمامات ورميها على الأرض غير عابئين بضررها الصحي والبيئي، وغير مكترثين بوجود حاوياتٍ مخصصةٍ لرمي النفايات.
مَنْ يزعم أنَّ الناس لديها وعيًا كافيًا عليه أن يشاهد تكدّسهم عند المَحالّ التجارية التي تحاول طرد كسادها الحالي بالعروض والتخفيضات، وعليه أن يتأمَّل تدافعهم إليها أفواجًا وخروجهم منها أفواجًا، وتزاحمهم وتلاصقهم سواء في رُدهات تلك المَحالّ أو عند صناديق المحاسبة، متجاهلين أبسط الإجراءات الوقائية وهي ترك مسافة كافية بين كل شخصٍ وشخص.
مَنْ يزعم أنَّ الناس لديها وعيًا كافيًا عليه أن يشاهدهم كيف يخرجون بشكلٍ جماعي من منازلهم نساءً وصبيةً وأطفالًا رُضَّع لمجرَّد الذهاب إلى مراكز التسوُّق وكأنهم ذاهبون إلى نزهة.
ولا أنسى الإشارة كذلك إلى العمالة الوافدة الذين لا زالوا يتجمهرون في مساحاتٍ ضيّقة عند الأسواق الشعبية إما للتنزُّه أو التبضُّع دون الالتزام بالمعايير الوقائية، فقد يكونون مصدر خطرٍ يُحدَّق بنا إذا لم نلتفت لهم ونولِهم اهتمامًا.
وليكون الحديث أكثر دقَّةً وجلاءً علينا الرجوع إلى الإجراءات الوقائية والتدابير الاحترازية المتصاعدة، والتي لا تتفق – وللأسف – مع نظرية وعي المجتمع، وعلينا الرجوع أيضًا للإحصائيات والمؤتمرات الصحفية اليومية التي تُعلن عنها وزارة الصحة، والتي تكشف عدد الحالات المصابة يوميًا في شتَّى مناطق المملكة ولنحكم بعد ذلك.
وفي هذا السياق، كشف وزير الصحة د.توفيق الربيعة عن أربع دراسات مختلفة قام بها خبراء سعوديون ودوليون مُتخصَّصون في مجال الأوبئة، حيث توقعتْ هذه الدراسات أن يتراوح عدد الإصابات في الأسابيع القليلة القادمة ما بين 10 آلاف إصابة في حدها الأدنى وصولًا إلى 200 ألف إصابة في حدها الأعلى.
أيضًا كشف المتحدِّث الرسمي لوزارة الصحة د.محمد العبد العالي في وقتٍ سابقٍ عن أنَّ معدَّلات التنقل بين المنازل وحركة التسوُّق التي رُصِدَتْ في تقرير عن طريق خرائط جوجل تتجاوز 40%، وأفاد بأنَّ هذه نسبة مقلقة جدًا وهذا الحِراك خطير.
لا صوت يعلو على صوت العلم، فحديث وزير الصحة – المبني على الدراسات – يَشِي بأن عدم الالتزام بالإجراءات الاحترازية قد يُفاقم الأزمة ويوصل الأعداد المصابة بالفايروس إلى مستوى يعجز فيه القطاع الصحي عن مواجهته.
يتجلى الوعي في اتّباع التعليمات الصادرة من الجهات الرسمية كوزارة الصحة ووزارة الداخلية، واستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية، والبُعد عن تناقل الأخبار الرائجة في وسائل التواصل الاجتماعي دون التثبّت منها، وعدم الانجراف خلف الشائعات والأكاذيب التي من شأنها زعزعة السِلم الاجتماعي وقذف الذُعر في نفوس الآمنين.

الدولة قدَّمتْ كل شيء، وطلبتْ من المواطنين والمقيمين لزوم منازلهم لا لشيء، فقط لسلامتهم وسلامة ذويهم وسلامة أفراد المجتمع، فهل هذا أمرٌ عصيّ؟!

الكاتب الأستاذ: رائد البغلي

🗞 صحيفة الوطن السعودية
📆 الأحد 12 أبريل 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.