الرئيسية / مقالات / رجل بقامة جبل

رجل بقامة جبل

الحديث عن شخصية الفقيد المرحوم أبي غازي رحمة الله عليه، لا تسعه الدفاتر ولا تحصيه المجلدات فيكفي أنّه عَبْدُالله الذي عرف معنى العبودية لله وانبرى يجسّدها في حياته العملية والاجتماعية من خلال تعاملاته وسلوكياته الرائعة، غير أنّي أحببت أن أسرد بعض المواقف التي لا تُنسى أبداً ولا تغيب عن الذاكرة.
منذ أن كنت صغيراً واسم “أبو غازي” يتردد على مسامعي فصرت أعرفه أكثر من غيره من الآباء وقد كنّا نستعدّ لاستقباله عند عودته من أمريكا وكان المحظوظ منّا مَن يجد له مكاناً في سيارة توصله إلى مطار الظهران آنذاك حيث كان رحمه الله أول مَن سافر للدراسة خارج المملكة العربية السعودية من عنك وحصل على شهادة البكالوريوس.
فبرغم أنّه لم يدرس الابتدائية ولا المتوسطة وإنّما التحق بشركة أرامكو ودرس في مدرستها مناهج اللغة العربية ولكونه أحد الطلبة الممتازين تم إيفاده إلى الدراسة في الجامعة الأمريكية بلبنان غير أنّه لم يستطع إكمال دراسته هناك بسبب وعكة صحية ألمّت به عاد على إثرها إلى البلاد ولكونه شغف بالدراسة والعلم حصل على بعثة دراسية للولايات المتحدة الأمريكية والحصول على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال والترجمة.
أتذكر أنّه ولكثرة الزائرين له عند عودته من السفر في كل مرة يأتي إلى مجلسنا ليأخذ له قسطاً من النوم للراحة وذات يوم طُلب منّي أن أوقظه لاستقبال بعض الزائرين القادمين للسلام عليه وعندما ذهبت لإيقاظه استشعرت أنّني أزعجته بطريقة إيقاظي له ومن خوفي ولّيت هارباً لدرجة أنّني اصطدمت بالجدار وخرج الدم من رأسي فما كان منه إلا أنّ أخذني إليه وهدّأ من روعي وضمّد جرحي. إنّه رجل بقامة جبل.
موقف آخر: حينما أنشأ أخي يعقوب، أبو موسى، مؤسسة البناء والمقاولات وبعد أن أوكل إليّ إدارتها حيث وصلت إلى حالة الإفلاس فما كان منه إلاّ أن عرض عليّ مبلغاً من المال كقرض استعيد به نشاط المؤسسة وطلب مني عدم ذكر ذلك إلى أخي وكان له ذلك وها أنا أذكر هذا الموقف بعد رحيله عليه الرحمة. إنّه رجل بقامة جبل.
موقف ثالث: عندما تم تأسيس نادي الساحل وكان مقره بيت الحاج مهدي سلمان خواهر رحمه الله وبدأ الشباب بالأنشطة الداخلية والحضور الكثيف وفي ذات ليلة أدخل أحد الشباب عودَ كبريتٍ في أذنه ولم يستطع إخراجه فما كان من الأب الرحيم أبي غازي عليه الرحمة إلاّ أن يأتي إليه ويطلب منه أن لا يحرّك شيئاً فانطلق رحمة الله عليه إلى منزله وأتى بملقط خاص حيث كان يعمل في مستشفى الظهران وقت ذاك وأخرج عود الكبريت من أذن الشاب وقد كنّا نراه طبيباً. إنّه رجل بقامة جبل.
هذه المواقف الإنسانية وغيرها نزر من فيض فهي كثيرة وأفضاله الجمّة لا عدّ لها ولا حصر فهو رجل المواقف السمحة والأيادي البيضاء الرقيقة. إنّه رجل بقامة جبل.

ابنك المحزون لفقدك
محمد يوسف آل مال الله

تعليق واحد

  1. أحمد حبيب المرزوق

    رحم الله الوجيه أبو غازي .. بفقده فقدت محافظة القطيف بابا من ابواب الرحمة.
    عظم الله اجوركم اخونا الغالي ابا يوسف والهم اهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان وخلف على الفاقدين بالخلف الصالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.