الرئيسية / مقالات / «وَتين» من فكرة مُتعثِّرة إلى مشروعٍ وطني

«وَتين» من فكرة مُتعثِّرة إلى مشروعٍ وطني

انطلقتْ قصة تميم الغنّام بصدمةٍ مُدوِّية تعرَّضَ لها في صِغَره بوفاةِ أخيهِ الكبير عبدالله، إثر إصابته بمرض السرطان وهو في ريعان شبابه، كان وقع الصدمة عنيفًا في نفس تميم الصغير، ما جعله يعاهد نفسه على صُنع شيءٍ مستقبلًا يُسهِمُ في وقاية البشرية.
قضى دراسة الطب، وفي سنة الامتياز، كان اختياره للتخصُّصِ صادمًا للنّاسِ مِنْ حوله وهو «المعلوماتية الطبية»، وهذا يعني ترك مزاولة الطب بالكامل.
أنهى دراسة المعلوماتية الطبية وانطلقَ مشروع الزمالة عام ٢٠١٥ م في جامعة هارفارد العريقة.
بدأ تميم رحلة التواصل مع وزارة الصحة وبنوك الدم في السعودية والمتبرعين والمرضى وذويهم بُغية التعرُّف على تفاصيل المشكلة ووضع اليد على بعض الحلول.
لماذا الناس لا تتبرّع بالدم؟
كان هذا أول سؤال تسلَّل إلى ذهنه واعتلى أول استبيان قام به، وأجاب عليه أكثر من ١٣٠٠ شخص، وكانت الإجابات صادمة بحق!
اتَّضحَ أنَّ مُعظم الناس لديهم الاستعداد والرغبة للتبرّع بالدم إلا أنَّ هناك بعض المعوّقات، حيث إنهم لا يعرفون أين بنوك الدم ولا يعرفون أوقات عملها، ولا يعرفون أيضًا أن هناك احتياجًا لفصائل دمهم، هذا خلاف الانشغالات والخوف من التبرع.
بعد سلسلة اتصالات واستبيانات ودراسة أفضل تجارب دول العالم، طرأت بباله فكرة إنشاء تطبيق إلكتروني يكون حلقة الوصل بين المريض والمُتبرع، وهنا استعان ببعض أصدقائه الذين يعملون في الحقل التقني لتنفيذ الفكرة، وبزغت فكرة تطبيق «قطرة حياة» للنور والذي سرعان ما اختاروا له اسم «وَتين» كي يكون أكثر ديناميكية وسهولة.
المسافة بين انطلاق فكرة التطبيق ونشر أول إصدار كانت سنتين، واجه فيها احتمالية الفشل والتوقف لثلاث مرات، وتم التعديل على الفكرة عشر مرات بناءً على ردود أفعال المستخدمين المحتملين للتطبيق.
النجاح اللافت لمشروع «وتين» جعل منه إحدى المبادرات الرسمية لوزارة الصحة، وجعل أيضًا الكثير من شركات الدعم اللوجستي تُقِّدم خدماتها واستشاراتها الإدارية، بل إن المشروع حظيَ بمقرٍ للعمل وتبرُّعٍ ماليٍّ سخيٍّ قدره ٥ ملايين ريال من إحدى المؤسسات الخيرية، كما تم -بحمد الله- تدشين المبادرة رسميًا في مارس ٢٠١٩، وتخدم اليوم ١٥٣ بنك دم، في جميع مدن السعودية، وتمكّنت من تحقيق ٣٠٠ ألف تبرع بالدم و٨٠ ألف شخص يستخدم التطبيق، وتم حجز ١٧ ألف موعد تبرع بالدم عن طريق التطبيق.
‏في «وتين» مئات المتطوعين الذين عملوا بكل إخلاصٍ وتفانٍ لإنجاح المشروع، وحوَّلوا المبادرة من مُجرَّد فكرةٍ إلى مِنصَّةٍ إلكترونيةٍ تخدم هذا البلد المعطاء.
هناك مَن تشلّه الصدمة وهناك مَن تُقوّيه، فالصدمة العنيفة التي تعرّض لها «تميم» أول حياته جعلته يعقد العزم على ابتكار شيءٍ يُسهم في خدمة البشر والحفاظ على حياتهم.
تميم عود ضمن حزمة من مبدعي هذا الوطن الذين يختبؤون في الظلام ويحتاجون لشمسٍ تُشرِقُ عليهم وتكسو إبداعهم كي ينكشف للناس ويستفيدوا منه.

رأي/ رائد البغلي
صحيفة الرأي السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.