الرئيسية / مقالات / حب الذات بين السعادة والتعاسة

حب الذات بين السعادة والتعاسة

من أخطر أنواع قراءة الذات، قراءة “حب الذات” المرضية التي تأخذ صاحبها للتعاسة وهو يظن أنه يسير في طريق السعادة، وكأن المصاب بها قد وضع أمامه مرآة مقعرة، تلك التي تُـضخم الأجسام وتـُكبرها. فحالة تضخيم الذات، وانتفاخها تُعد مشكلة جسيمة، فكلما زادت درجة النفخ ازداد مستوى الخطر على الفرد نفسه أولاً، ثم على أسرته ومجتمعه، وعلى الدين إذا ما كان المتضخم رجل دين، وعلى الوطن إذا ما تسنى له أن يتقلد منصباً كبيراً فيه. ويمكن تسميتها بقراءة النرجسيين الذين لديهم تضخم في حب الذات. أما إذا تحدثنا عن مرضى النرجسية فتتلخص أعراضه في الإعجاب الدائم بالنفس، وميل الشخص إلى أن يعجب به من حوله، وهذا شيء طبيعي في حد ذاته، ولكنه إذا زاد عن الحد المعقول، فإنه يصبح مرضاً خطراً.

ومن صور هذه الحالة أنها تقوم على تعظيم النفس، وجعلها في مرتبة عالية على الآخرين، بحيث تتضخم الأنا ولا تقبل المساس بها بقول أو فعل، بل لا يريد أن يرى نفسه إلا الأجمل، الأفضل، الأعلى، وربما الأقدس. وحيث أن لها درجات متفاوته في أنواع الأعراض ووسائل التمظهر، فقد تصل إلى الشعور بالعظمة، ثم الإصابة بجنون العظمة. فظاعة الأمر أن الفرد يقرأ شخصيته على غير واقعها ويتعامل معها على هذا الأساس، لأنه لا يرى نفسه في مِرآة حقيقية، بل في مِرآة مقعرة هو صنعها لنفسه. من ميزات المرايا المقعرة أنه يمكن انتاجها بأحجام كبيرة، وتكون لها قوة تضخيم كبيرة. وعندما يُـصدق المرء نفسه بالتضخم، ويبدأ في مغالطة عقله، فهو كما جاء في المثل الأمريكي: اعتقد الحمار نفسه عالما لأنهم حملوه كتباً.

ويختلف الشخص المريض بحب العظمة، عن مريض النرجسية في أنه يرغب في أن يخافه الناس، لا أن يحبوه. لأنه يفضل أن يكون شخصاً قوياً مهيباً لديهم على ان يكون محبوباً منهم. وإلى هذا النوع ينتمي عدد كبير من المجانين كما ينتمي إليه أكثر عظماء التاريخ. فقد كان الإسكندر المقدوني ينتمي إلى ذلك الضرب من الناس الذين يحبون العظمة، ولكنه افترق عن المجنون في شيء واحد، وهو انه استطاع بما له من هيبة أن يحقق الأحلام التي تدور في خلده. ولكن هذه الأحلام ظلت تتسع وتتسع حتى خرجت عن الدائرة التي يمكن أن يدور في فلكها النشاط الإنساني، وذلك بعد ما زعم الإسكندر الأكبر لنفسه وللناس أنه أصبح في مصاف الآلهة، بعد أن فاز بانتصاراته الباهرة. ولكن هل كان الإسكندر الأكبر رجلاً سعيداً؟. لعل هناك من الدلائل ما يشير إلى عكس ذلك، هناك اعتياده الخمر، وثورته العنيفة الجامحة، وبعده عن النساء، وأخيراً ادعاؤه الآلوهية. كل ذلك من غير شك يدعونا للاعتقاد بأن الإسكندر المقدوني لم يكن سعيداً. فإن الشعور بالارتياح لا يتولد من تنمية إحدى نوازع الطبيعة البشرية على حساب النوازع الأخرى، كما انه لا يتولد إذا اعتبر الفرد هذا العالم ميداناً فسيحاً جُعل له يرضي فيه
شعوره بالعظمة. والسبب في أن عدداً كبيراً من الساسة فشلوا في حياتهم، بعد أن كانت البشائر تدل على عكس ذلك، هو إعجابهم بأنفسهم بحيث تملك عليهم شعورهم، بدلاً من أن يوجه هذا الشعور نحو المجتمع الذي يعيشون من اجله.

ممن يُصابون بقراءة الذات المضخمة بعض المتدينين من الملتزمين بالمساجد والكنائس والمعابد، المأخوذين بفكرة التطهر أو الاخلاص. الفكرة جميلة وسامية، ولكن انحراف تطبيقاتها له فداحة كبيرة، منها الوساوس القهرية، ومنها الشعور بالتسامي إلى حد الطهارة والشعور بالقداسة. المشكلة في هؤلاء أنهم من أكثر الناس تشدداً على أنهم في الطريق الصحيح للسعادة. ويحاول أولئك القوم الذين يزعمون لأنفسهم أنهم بلغوا شأناً عظيماً من الأخلاق، يحاولون أن يقنعوا أنفسهم بأنهم وصلوا إلى درجة من الإيثار لا يمكن في واقع الأمر التوصل إليها. ومن هنا كان اصطناع القداسة مرتبط بخداع النفس في صورة يسهل معها الانزلاق إلى جنون الاضطهاد.

الشعور بالعظمة يعني الشعور بالقدرة على فعل كل شيء. والشعور بالقداسة يعني الشعور بالتسامي على البشر والشعور بتمثيل الخالق على الأرض. هذه المشاعر إذا ما اصطدمت بالواقع الحقيقي، واكتشف المصاب غير ما رأى في نفسه، ربما يسقط في حالات من الجنون أو العزلة التامة أو الانتحار أو ما أشبه. فمن الطبيعي أن تمتلئ حياة الفرد بالمصاعب والعقبات، إذا سيطر عليه الشعور بالعظمة، لأنه ما من إنسان يستطيع أن يكون قادراً على كل شيء. ومن ثم فإن تجاهل هذه الحقيقة يعني في حد ذاته الإصابة بالجنون. وعلى ذلك فإذا عرف الإنسان قدر ذاته فهو سعيد حقاً أما إذا آمن بقوته وعظمته وخرج عن النطاق المألوف فسينتهي به الأمر إلى مأساة مروعة.*

في المقطع المرفق أفكار سريعة عن حب الذات ربما تفيد المتابع

Watch “15 إقتباسا عن حب الذات وتقبلها ستغير حياتك..!!”  للمشاهدة اضغط (هنــا)

الكاتب الأستاذ: كاظم الشبيب

 

الطريق إلى السعادة، برتراند راسل، ص 23

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.