الرئيسية / مقالات / الكتابة تحت تأثير موقف

الكتابة تحت تأثير موقف

قد يلفتُ الكاتب ما لا يلفت غيره من المواقف والمُجريات اليومية التي تعترضه، فما يعتبرهُ الأغلب هامشيًا وغير مُهم قد يكون باعثًا مُلِحًّا للكتابة لدى الكاتب، ومُحرِّضًا على التحليل وجديرًا بعرض وجهة النظر.

الكاتب الحصيف ليس من يُبدع في الكتابة عن القضايا المحمومة أو أحاديث الشارع وحسب، بل مَنْ يمتلك القدرة على خلق موضوعٍ بديعٍ يحظى بنجاحٍ ويحصد الإعجاب من موقفٍ بسيطٍ غير مُلفِت.

موقف عابر قد يعترضك -عزيزي الكاتب- في إشارة مرور أو مستشفى أو مُجمَّع تجاري أو حتى في مصعد كهربائي أو زُقاقٍ ضيّقٍ، قد يسكنك ويُشعلك ويدفعك بكل قوة للكتابة فورًا، فتضطر مُرغَمًا أن تجلس على أي مقعد أو أن تركن سيارتك في أي موقف، ليس فقط لإلقاء القبض على الفكرة والزجِّ بها في موضوع جديد تهمُّ بكتابته، بل الأهم من هذا كله هو حرصك على الكتابة وأنت تحت تأثير الموقف نفسه وتحت وطأة الشعور به، فالخوف كل الخوف أن تغادر المكان الذي وقع فيه الموقف فيغادرك الشعور به.

فالأفكار قد تُقيّدها كيفما اتفق حتى لا تلوذ بالفِرار، والكتابة قد تزاولها في وقتٍ أكثر ملاءَمة، بينما الشعور بالموقف إذا غادرك كيف تستعيده؟.

الكتابة المُنتظمة تنقل الكاتب من عالم الكتابة الإبداعية إلى عالم الكتابة الروتينية، فتتحول الكتابة من شغف إلى نمط، ومن ثبات إلى تذبذب، فيلحظ القارئ التباين في الأفكار والتفاوت في مستوى الكتابة بين كل موضوعٍ وآخر.

في ظاهرةٍ فريدةٍ لم تشهدها الصحافة المصرية من قبل، انفرد الكاتب الكبير أنيس منصور بالكتابة اليومية على صفحات «الأهرام» لمدة ثلاثين عامًا مُتَّصلة دون انقطاع، كتب خلالها قرابة 11 ألف مقالة يومية، بدأها في 29 مارس عام 1976 م.

لكَ أن تتخيَّل – عزيزي القارئ – ثلاثين عامًا يُطلُّ أنيس منصور من خلال عموده اليومي «مواقف» دون انقطاع، ومع ذلك فقد كان يعتبر الكتابة اليومية تمرينًا شاقًا، حسبما وصف في بعض كتاباته.

عندما ترتطم بموقفٍ مؤثّر وتعيشه بحذافيره، تشعر لوهلة أنك فنانٌ تشكيليّ فيتحوّل «اليراع» بين أناملك إلى ريشةٍ ترسم لوحة فنية بديعة تصطبغ بحواسّك، أو تشعر أنك عازفٌ ماهر يُدَوزِنُ الأفكار ويعزف العبارات ويأسر الحروف ويطوّع المعاني، فتتحوّل الكتابة من تعبير إلى تأثير.

أجمل أنواع الكتابة تلك التي تستعرض الأمور الصعبة بعبارات سلِسة وأسلوب رشيق، فتصبح الكتابة هي السهل الممتنع.

رأي/ رائد البغلي
صحيفة الرأي السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.