الرئيسية / مقالات / ماراثون!

ماراثون!

في منتصف فبراير الحالي، كنتُ في زيارةٍ خاطفةٍ لدولة الكويت الغالية، وأثناء تواجدي في أحد المُجمَّعات التجارية الشهيرة هناك، لَفَتَني معرض كتابٍ مُصَغَّرٍ يتبوأ مُنتَصَف المُجَمَّع وترعاهُ أربع جهات هي بنك، وعيادة أسنان، ومكتبة، بالإضافة إلى المُجمَّع التجاريّ المُستَضيف للفعالية، ويكتنفه ثُلَّةٌ من الشُبّان والشَّابات الشغوفة بالقراءة.

في الحقيقة، شكلُ المعرض مِنْ الداخلِ وتصميمه مِنْ الخارجِ دفعاني أنْ أدنو مِنه كي أكتشفَ بعد ذلك أنَّ سبب تقاطُر ذلك الجمع عليه ليس شغفهم بالقراءة وحسب، بل لتضمّنه فكرةً خلَّاقةً وجاذبةً يرتكِزُ عليها، وهي دعمه للأطفال المُعسرين وإعانتهم على إكمال تعليمهم وذلك بقيام البنك والعيادة بالتَّبرُّعِ بدينارٍ كويتيٍّ واحدٍ لقاء كل عشر صفحات تتم قراءتها من أي كتاب، سواء أكان موجودًا على رُفوف المَعرَض الذي نظَّمته المكتبة، أو تم جلبه من خارجه للمشاركة به، لِذَا أُطلِقَ عليهِ “ماراثون القراءة الخيري”.

كان منظر قاصدي المعرض لافتًا، بعضهم وقوفٌ وبعضهم جلوسٌ، ومحدودية المقاعد لم تمنع عددًا لا بأس به منهم مِنْ افتِرَاشِ الأرضِ في سبيل المشاركة في القراءة والإسهام في دعم الطلاب المُعسرين، ولَم يَخلُ المعرض مِنْ كُتُب الأطفال الذين تركوا بَصمَةً لافِتةً بمشاركتهم، واكتمل عِقْدُ اللؤلؤ بتواجدهم، فمثل هذه الفعاليات تُفضي إلى مفهومٍ جديدٍ يجعل مِنْ العمل الخيري والجانب التطوعي جزءًا من الهَمَّ الثقافيّ.

أحببتُ الفكرةَ، وأردتُ أن أعيشَ لوَهلةٍ شعور المشاركين في هذا الماراثون الخيري، فلَم أترَدَّد في قَطفِ كتابٍ مِنْ على أحدِ الأرفُفِ والولوج إلى مضمار القراءة الذي اصطَبَغَ بألوان الإنسانية، ولضيق الوقت قرأتُ عشر صفحات، وهو الحدُّ الأدنى لتحقيق دينارٍ واحد، ونِلتُ شهادة مشاركة مخطوط عليها اسمي وشعرتُ حينها بشيءٍ من الزَّهْوِ، ولعل هذا التضامن من الجميع ينطبق عليه قول ويليام نيكلسون: نقرأُ لِنَعْرِفَ أنَّنا لسنا وحدنا.

هذه المبادرات تتجاوز بالقراءة مراحل النمطية، وتقفز بها أسوار المكتبات العامة التقليدية، لتخترقَ آفاقَ الصَّخبِ وتجمهُر الناس كالمُجمَّعات التجارية والمرافق العامة ومعارض الكتاب، فتخلق علاقةً حميمةً وشعورًا مُتَجَدِّدًا بين الكُتُب والناس، وبدلًا مِنْ أنْ تكون القراءة مزاولةً تقليديةً مُقتصِرَةً على فئةٍ مُعيَّنةٍ تمارسها في أماكن مُحَدَّدَةٍ وأوقاتٍ مُخَصَّصَة، تُصبِح مُمَارسةً عصريةً متاحةً لكل الفئات وفي كل الأماكن وكل الأوقات.

القراءةُ سلوكٌ يحتاجُ إلى أسلوبِ عرضٍ مُتَطوِّرٍ ونَمَطِ تقديمٍ مُتَجَدِّدٍ يُلامس سقف التطلعات الحالي، ويستشرف أُفُق الطموحات المستقبلي، وهذا ما اتجهت إليه بعض الشركات التي مَزَجَتْ بين مفهوم المقهى العصريِّ وما بين المكتبة العامة، فتَجِدُ نفسك تحتسي فنجانَ قهوتكَ وأنتَ تَركُن إلى أرفُفَ مُتْرَعَةٍ بالكُتُب التي تُظَلِّلُك، فتشيعُ رائحة القهوة من هنا، وتنبعثُ رائحة الورق من هناك، فتكتشف حينها أنك ما بين عشقك ورغبتك، أيهما العشق وأيهما الرغبة؟ أنت تُحدِّد ذلك.

رأي : رائد البغلي

صحيفة الرأي السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.