الرئيسية / مقالات / رحلة الدفاع عن فكرة

رحلة الدفاع عن فكرة

مُعظم الناس -في الأغلب- يَذودونَ عن أفكارهم أو الأفكار التي يستمدونها من غيرهم أو أفعالهم، ويحاولون الانتصار لها ولو كانت خاطئة أو ضارة أو حتى قاتلة! فالمعيار الذي يستندون عليه في ذَودِهِم المُستَميت عنها ليس صحتها ولا نفعها أو جدواها، بل لمُجرِّد الانتصار لها أيًّا كانت فقط لأنها تعنيهم، فالسارق يُبرر لسرقته التي قد يعتبرها لسدّ الجوع أو لدفع الضرر، والطبيب يبرر لخطئه الطبي القاتل الذي قد يكون لسوء تشخيصٍ أو  جرعةٍ زائدةٍ أو عمليةٍ جراحيةٍ لم يُكتَبُ لها النجاح يذهب ضحيتها شخصٌ تحت تبرير “خطأ طبي”، والقاتل أيضًا ممكن أن يجد ذريعةً لقتله الذي وقع في لحظة غضبٍ أو لربما بدافع الذبِّ عن النفس، وكذلك الإرهابي الذي يُفجّر نفسه وسط مسجدٍ أو كنيسةٍ أو سوقٍ ويُزهِقُ أرواح العشرات وأحيانًا المئات من الأبرياء طلبًا لجنَّةٍ ينشُدُها مُتْرَعَة بِحورٍ عِين.

و على النقيض تمامًا، هناك مَنْ يَستميتُ للدفاعِ عن فكرةٍ يؤمنُ بها ويقول بصحَّتها في آنٍ واحد، ولعلّي أستدعي هنا حادثة العالم الفلكي والفيلسوف الإيطالي الشهير غاليلو غاليلي الذي نَشَرَ نظرية “مركزية الشمس” وأن الأرض تدور حولها، ونافحَ عنها بضراوةٍ، رغم أنَّ ما جاء به قد طعن في الكنيسة التي قامت في ذلك الوقت على نظرياتٍ تنُصُّ على مركزية الأرض.

بعض الأفكار عندما تستوطن أصحابها وتتوغّل في أعماقهم فإنها تحجبهم عن التقدُّم، وتُسهِمُ في الحيلولة بينهم وبين أي إبداع، ففكرة الانتساب للقبيلة أو الإنتماء للطبقة “البُرجوازية” مثلًا قد تَئِدُ في البعض أيَّ رغبةٍ في الإنجاز، معتبرين أنَّ ارتباطهم بالقبيلة أو بالطبقة هو إنجاز بحدِّ ذاته حظوا به دون عناءٍ أو مشقَّة، وعلى الضِفَّة الأخرى، نجد أنَّ هناك أفكارًا مُناهِضَةً قد تسكن أصحابها لتكون بمثابة الوقود الذي يُشعِل فَتيل الإبداع في داخلهم، ويدفعهم للنور في آخر النفق المُظلِم، فالأشخاص الذين يرزحون تحت وطأة العَوَز والفَاقَة نجدهم في الغالب أكثر حماسةً ودافعيةً لتحقيق الذات، ليُفلِتوا من قبضةِ الفقرِ مِنْ جهة، ويدقّوا أطنابَ نجاحٍ مُجَيَّر بأسمائهم مِنْ جهةٍ ثانية، ولِيَتَنَصَّلوا مِنْ تٍصنيف المجتمع لهم من جهةٍ ثالثة.

يقول الأديب نجيب محفوظ: العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها، فعندما تتجاسرُ وتَنبري للدفاعِ عن فكرةٍ ما تقبع في رأسك، فهذا من حقك، لكن لا يكن ذلك على حسابِ استلابِ فكرةٍ أخرى لشخصٍ ما يُخالفكَ،فهذا ليس مِنْ حقك.

رأي الكاتب الاستاذ: رائد البغلي

صحيفة الرأي السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.