الرئيسية / مقالات / أزمة المُثَقَّف بالمُثَقَّف

أزمة المُثَقَّف بالمُثَقَّف

المُراقبون عن بُعد للأوساط الثقافية يظنونها أوساطًا مُستقرَّة، يسودها الهدوء التامّ وتعلوها المثالية اللافتة، ويعتقدون أيضًا أنَّ المُثقَّفين بعيدون كُلَّ البُعد عن الأزمات والجدليات، لكن حينما يَدنون هؤلاء من تلك الأوساط ويتوغَّلون فيها، تتبدَّد انطباعاتهم تلك، وتحلّ محلها انطباعاتٌ مُغايرة.

من الإشكالات المُهِمَّة التي يُعاني منها مُثَقَّف اليوم وأدَّتْ إلى تخندُقِهِ وضُمُورِهِ ظهور بعض الدُخلاء على الوسط الثقافي وانتحالهم لهوية المُثَقَّف، وتقديمهم أنفسهم للمُجتَمَع في قالبٍ ثقافي. ليس حُبًا في الثقافة، ولا انتماءً لها، بل بحثًا عن الوجاهة والبُرُوز، ولعل هؤلاء يَنطَبِقُ عليهم قول فيدور ديستوفيسكي: الكثير يعتقد بأنَّ الثقافة هي قمصان نظيفة وملابس أنيقة وأحذية لَمَّاعة.  فقد كان لهم دورٌ في مزاحمة المُثَقَّف واستلابه وضعه الطبيعي في المَشهَد الثقافي، بل أنَّ بعض وسائل الإعلام ساعدت هؤلاء – وللأسف – في إزاحة المُثقفين الحقيقيين، فاختلط الحابِل بالنابِل، وأصبح العامَّة غير قادرين على التمييز بين المُثقف الحقيقي والمُثقَّف المُزيَّف.

ولأن بعض المُثَقَّفين يقولون بعلوِّ كعبهم – ثقافيًا – على البعض الآخر، فإن هنالك أزمةً من نوعٍ آخر قد نَشَبَتْ في أوساطهم، وهي ممارسة المُثَقَّف للنخبوية ضدّ المُثَقَّف الآخر، وخلق تكتُّلات وجماعات وتيَّارات في أروقة الوسط الثقافي تحت تسميات مُختلفة وشعارات مُتباينة وتوجهات مُتفرِّقة، قد يرفضها البعض منهم، وقد يقبلها البعض الآخر.

وفي ضِفَّة أخرى، قد يشعرُ بعض المُثَقَّفين بامتنان، أو يكتنزون ولاءً وانتماءً إزاءَ مُثَقَّفٍ آخر أو ثُلَّةٍ من المُثَقَّفين، وهذا ما كان يحمله تحديدًا الكاتب أنيس منصور تجاه أستاذه “العقَّاد” الذي قال عنه في كتابه “في صالون العقَّاد كانت لنا أيام”: عندما انتقلتُ من المنصورة إلى القاهرة التحقتُ بجامعتين في آنٍ واحد، جامعة القاهرة وجامعة العقَّاد، وكانت جامعة العقاد في وجهة نظري أقرب وأعمق وأعظم.

لم يقُل منصور هذا الكلام إلا من فَرطِ إعجابهِ بأستاذهِ “العقَّاد”، الذي كان يخجل من التصحيحِ لهُ لو أخطأ، في الوقت الذي لا يخجل من تدوين كل ما يدور في صالونه الثقافي من أحاديثٍ ثقافيةٍ وفلسفيةٍ وفكرية، حتى أصبَحَتْ تلك التدوينات كتابًا، فكيف لا يَقبَل لو مارس ضدهُ نخبوية المُثَقَّف على المُثَقَّف؟

رأي الاستاذ/ رائد البغلي

صحيفة الرأي السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.