الرئيسية / مقالات / مجموعة مجانين

مجموعة مجانين

مجموعة مجانين

دخل رجل غريب إلى مدينة ما فرأى من على مسافة جماعة من الرجال ملتفّين حول بعضهم البعض ويشكّلون حلقة كأنّها حلقة من حلقات العلم فقال في نفسه.. يبدو أنّ هؤلاء الرجال من أكابر أهل المدينة، دعني أقصدهم. بينما هو في طريقه استوقفه رجل من أهلها.
– السلام عليكم أيّها الرجل الزائر.
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف عرفت أنّي زائر؟
– أنا من أهل هذه المدينة وأعرف أهلها. هل لي أن أخدمك؟
– في الحقيقة هذه أول زيارة لي لمدينتكم وقد رأيت تلك الجماعة وكنت قاصداً أن أسألهم.
– أي جماعة تقصد؟
– أشار بيده إلى أولئك الرجال الملتفّين حول بعضهم البعض قائلاً.. تلك الجماعة.
– بضحكة هستيرية واستغراب شديد.. تلك الجماعة!!
– نعم، ولِمَ تضحك؟
– أضحك لأن أولئك النفر مجموعة من المجانين.
– مجانين!!؟
– نعم، مجانين.
– ولكن لا يبدو عليهم ذلك، انظر إلى حسن مظهرهم وكيف هم ملتفّين حول بعضهم البعض ويستمعون إلى بعضهم باحترام!!
– لا تنخدع بتلك المظاهر، فهؤلاء النفر ومنذ فترة يحاولون تغيير عاداتنا وتقاليدنا ويسعون إلى إفساد عقولنا.
– كيف ذلك؟
– بين الفترة والأخرى يعقدون جلسات ويدعون أهل المدينة ليبثوا في عقولهم من سمومهم ولكن الحمد لله لا أحد يستجيب لدعواتهم المشبوهة.
– يبدو أنّك تبالغ إذ لا يبدو عليهم ذلك.
– وما أدراك وأنت لأول مرة تدخل هذه المدينة ولا تعرف أحداً من أهلها.
– كلامك صحيح بأنّ هذه أول مرة أدخل هذه المدينة ولكنّ كلامك لا يُصدّق.
– هؤلاء النفر يجتمعون كل أسبوع ويخططون ويحاولون أن ينفذوا خططهم المريبة، ولكّننا نعمل على منعهم والحيلولة دون تحقيق مآربهم، فنحيي المناسبات ونعمل الجلسات الخاصة ونفتح الديوانيات خلال عقد برامجهم ونحرص على أن لا يشاركهم أحد، فهم جماعة يريدون تحويل مجتمعنا إلى مجتمع آخر.
– مثل ماذا؟
– يرون أنّنا بحاجة إلى رفع مستوانا الثقافي والمجتمعي وكأننا متخلّفون فيقومون بعقد جلسات ودورات وورش عمل وهكذا دواليك.
– أنت تبالغ كثيراً وإن كان هذا ما يرمون إليه فإنّي أراهم من العقلاء. دعني أقترب منهم وأتأكد بنفسي.
– لا حاجة لك في ذلك، فقد كفيتك وأنا لك من الناصحين وإن لم تصدّقني فاسأل غيري.
– شكراً لك ولكنّي شخص لا أصدّق كل ما يُقال حتى أتأكد بنفسي، فالمعلومة لا تنفع ما لم تصل إلى المعرفة.
– يبدو أنّك مجنون مثلهم.
– والله لا أرَ مجنوناً بيننا إلاّ أنت ومن هم على شاكلتك، فمن يرفض العلم والمعرفة والتطوير والنصيحة لابدّ إلاّ أن يكون مجنوناً.
– أغرب عن وجهي، فأنت معلّم المجانين.
– نعم، هو أنا.

تركه وانطلق نحو تلك المجموعة. وصل عندهم وألقى عليهم التحية.
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضّل.
– هل لي أن أسألكم؟
– تفضّل، على الرحب والسعة.
– هذه أول مرة أدخل مدينتكم وأنا في طريقي إليكم صادفني رجل وحاول منعي من الوصول إليكم مدعيًا…
قاطعه أحدهم…
– مدعياً أننا مجانين، أليس كذلك؟
– نعم هكذا قال، ما حكايتكم؟ ولِمَ قال ذلك؟
– نحن جماعة نسعى للتغيير وتطوير هذا المجتمع وهم لا يرغبون في ذلك ويرون أنّ هذا من الجنون. فما رأيك أنت؟
– ما تقوله لعين العقل والصواب وقد صدق القول المأثور: “عالم ضاع بين جهّال”.
– نحن نحاول مساعدتهم وهم يرفضون، بل يسعون إلى إشغال المجتمع بأمور أخرى في الوقت الذي نحاول أن نجمعهم لنتحدث إليهم أو نلقي عليهم من علومنا.
– يبدو أنّهم المجانين، فالعاقل لا يرفض النصح والتغيير حتى وإن صدر من عدو، فكيف والنصح منكم!!؟ استمروا في سعيكم ونصحكم حتى يتم ما ترمون إليه وإن طال بكم الزمان وحاربكم هؤلاء، فالحق معكم وما أراكم إلاّ من علمائها ومثقفيها. وفقكم الله.

تركهم بعد أن حفّزهم على العمل وشدّ على أيديهم.

محمد يوسف آل مال الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.