الرئيسية / إسلاميات / ملحمة الطف بين قوسين

ملحمة الطف بين قوسين

تظل ملحمة الطف أعظم ملحمة عرفها التاريخ، ليس بعدد القتلى حيث هناك الكثير من المعارك والحروب ما يفوق تعداد قتلاها مئات الآلاف من البشر، ولكن ملحمة الطف لها خصوصيتها التي جعلتها حية في أذهان المسلمين المنصفين والمؤمنين من الشيعة العارفين بأهدافها وملابساتها والذين لا يألون جهداً في إحيائها منذ العام ٦١ هـ وحتى يومنا هذا.
فمهما حاول الأدباء والشعراء والكتّاب والمؤرخون من إيجاد صياغة تتناسب وفظاعة ومدى الإجرام المتمثل في أعداء الله وأعداء رسوله من أشياع آل أبي سفيان، فلن يستطيعوا وصف تلك الجريمة البشعة والحقد الدفين الذي توغّل في داخل صدورهم تجاه أهل البيت عليهم السلام والذي انعكس على ممارساتهم وعدوانيتهم في تلك الملحمة العظيمة.
لقد بلغ العدوان بهم أوجه ولم يتركوا وسيلة من وسائل الإجرام إلاّ ارتكبوها في حق الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عليهم جميعاً سلام الله، مما لا يتصوّره المجنون فضلاً عن العاقل، ومع كل الحقائق التاريخية التي لا تقبل الشّك يأتي مَنْ يقلل من شأن تلك الملحمة ويضعها في جانب الحروب المعتادة وكأنّ  المعركة بين قطبين يتقاتلان على مركز أو منصب دنيوي بعيداً عن الحقيقة التي هي معركة بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين الحرية والعبودية، بين الإسلام والكفر، بين الإيمان والشرك.
فبمتابعة بسيطة عبر قنوات التواصل الأجتماعي تجد أنّ هناك مَنْ يصوّرها بالخطأ الفادح من لدن الإمام الحسين (ع) وخروجه على يزيد (لع) وهم المناوئون ومَنْ يهزأ أو يستنكر بما يتحدث به الخطباء من أحداث ومجريات يرون أنّه مبالغ فيها ويتصيدون اختلاف الروايات في النقل. هؤلاء النفر يجهلون حقيقة ما جرى وليس لديهم أدنى معرفة بوحشية أشياع آل أبي سفيان. فلو امعنوا النظر في الروايات التي نقلها المحققون من العلماء والباحثين لذهلوا أكثر مما سمعوا من الخطباء.
لا أنكر من أنّ بعض الخطباء وبسبب شدة جزعهم من المصيبة قد يصوّر بعض الأحداث بشكل مأساوي حزين يستلهم قلوب السامعين، ومع هذا سنجد له المبرر لذلك، مادام ذاك التصوّر ناتجاً عن غليان فطري وحب وعشق للإمام الحسين (ع) وهذا التصوّر ليس عقيدة لابد من التصديق بها.
نحن لسنا في صدد رد الممارسات التي تصدر من بعض الموالين والمحبين والعاشقين لأهل البيت (ع) ولسنا في موقع الحَكَم حتى نقرر صلاحية تلك الممارسة من عدمها، بل علينا التعقّل في ممارستها وعدم الانصياع إلى الخروج عن العقلانية رغم أنّ كل ما يقدّمه المؤمن من أجل الإمام الحسين (ع) وابقاء هذه الشعيرة حيّة له الأجر والثواب كل حسب عطائه وخدمته.
التركيز على جانب واحد من الملحمة العظيمة سواء؛ الحالة المأساوية أو الحديث عن القيم الإنسانية لا يجزي أبداً، فملحمة الطف يجب أن تستلهم العقول والأذهان والمشاعر والاحاسيس، فهي ملحمة متكاملة الجوانب كي تترجم الحديث النبوي “حسين مني وأنا من حسين”.

محمد يوسف آل مال الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.