الرئيسية / مقالات / الصبر مفتاح الفرج

الصبر مفتاح الفرج

بقلم الأستاذ: محمد يوسف مال الله

مازالت كربلاء تأتي أُكلها ومازلنا نقطف ثمارها، فكربلاء حافلة بالعطاء ومازالت ملحمة الطف تفضي إلينا من سجاياها، فقد تضمنت الكثير من القيم العظيمة التي تمثلت في الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه (ع)، ومن ضمن تلك العطاءات التي نقتبسها من تلك الملحمة العظيمة “الصبر”، تلك الصفة الأخلاقية التأدبية والتي تطفي على الحياة حلاوة وتزيد من الإيمان. يقول سبحانه وتعالى: “والعصر إنّ الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” وفي آية أخرى: “وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإناّ إليه راجعون”.
معنى الصبر لغةً: الصَّبْـرُ نقيض الجَزَع، صَبَرَ يَصْبِرُ صَبْـرًا فهو صابِرٌ وصَبَّار وصَبِيرٌ وصَبُور والأُنثى صَبُور أَيضًا بغير هاء وجمعه صُبُـرٌ. وأَصل الصَّبْر الحَبْس وكل من حَبَس شيئًا فقد صَبَرَه، والصبر: حبس النفس عن الجزع. واصطلاحًا: (الصبر هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره).  وقيل هو:(ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله). وقيل الصبر: (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه).
ومعنى الصبر أن تمنعَ نفسكَ وتحبسها عمّا تشتهيهِ وتحول بينها وبين نفسك، والصبر بعد أن تحول بينها وبين ما تريدهُ أو ما تريد أن تصلَ إليهِ فهو يصاحبهُ حسنِ التحمّل، فالصبر يواسي الحزنَ ويواسي النّفس على أن تصبر لحكم ربّها ليعوّضها الله بأجمل ما تتمنّى لأنّ الله مع الصابرين، بل أنّ الصبر خُلق حسن يثاب المؤمن عليه جزاءً من الله سبحانه وتعالى للمؤمن، وهو باب من أبواب الجنة الذي لا يدخله إلاّ الصابرون.
الكثير من المؤمنين يرون أنّ صبر النبي أيوب (ع) هو أعلى مراتب الصبر، ولكن صبر الإمام الحسين (ع) يفوق صبر جميع الأنبياء والمرسلين ولم يعهد التاريخ صبراً كصبره في ذات الله وكيف قدّم نفسه وأهل بيته وأصحابه عليهم السلام قرابين لله حتى قال “هوّن مابي أنّه في عين الله”، فكل شيء يهون في الله ولله، وقد نال بذلك أعلى مراتب الشهداء، فلم تكن الشهادة كافية عند الإمام الحسين (ع)، بل رأى أن الصبر عمودها ونواة الإيمان. يقول الإمام علي (ع): “من لا صبر له، لا إيمان له”.
هناك أنواع عديدة للصبر، منها الصّبر على ما تشتهيهِ نفسك، فالكثير منا يشتهي أشياء يرغبها والنفس هي المسؤولةٌ عن ذلك فهي أمّارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، كشرب الخمر والزنا وما شابهها من شهوات والعياذ بالله، وعندما تحول بينك وبين نفسك عمّا تريده وتشتهيه نفسك فأنت بهذا العمل تدرّب وتعلّم نفسكَ الصبر وحفظها عن المعاصي لوجهِ ربك الكريم وطلبِ الرضا منه سبحانه وتعالى، فالمؤمن عندما يصبر على عدم إتّباع الشهوات، فإنّ الله سيرزقه الخير الكثير من حيث لا يحتسب.
النوع الآخر من الصبر هو الصبر على ما تبغضه، حيث توجد أشياء كثيرة من حولنا نكرهها سواء كانت في أشخاص أو أمور أخرى كفعل الطاعة أو على فعل الخير دون أن يشكرنا أحدٌ عليها، والصبر في هذهِ الأمور هو عظيم فأنتَ عندما تصوم شهر رمضان إيماناً واحتساباً لوجهِ الله وأنت تريد أن تأكل أو تشرب وتكون في قمّة العطش، ولكن تصبر لوجهِ الله، فهو صبر جميل وأجرهُ على الله وهو أعلم منّي ومنكَ فيجازيك عليه. فالصبر على الطاعات كالصلاة والصوم وفعل الخيرات ومسامحة من أساء إلينا وصلة ارحامنا، وعدم الإساءة للآخرين وعدم بغضهم، فإننا نصبر على ما أمرنا الله بهِ وما تعلّمنا من مدرسة أهل البيت (ع) من أفعالِ حسنة.
لا يقتصر الصبر على الكبار دون الصغار، فالكل يطمح فيه، بل عليك التحلّي به في كل مراحل حياتك، فطلب العلم بحاجة إلى هذه القيمة العالية، أي الصبر، فطريق طلب العلم فيه مشقّة وتعب ويحتاج طالب العلم إلى السهر أحياناً لينال العلم النافع الذي يريد أن ينتفع به في الدنيا والآخرة، فالصبر مفتاح الفرج وبه تنال الدرجات العالية ولا تنظر إلى اللهو واللعب ومضيعة الوقت فيما لا نفع فيه، بل عليك أن تجعل الصبر مفتاح نجاحك وكن صابراً محتسباً سيجازيكَ الله بما تريد أو أفضل من ذلك.
وهناك الصبر الأكثر مرارة على القلب وهو الصبر عند المصائب، لما لها من أثر بالغ على النفس قد يجزع فيها المؤمن أحياناً وتصل به إلى مرحلة الكفر بالقضاء والقدر واستثني من ذلك الجزع على مصاب أبي عبدالله الحسين (ع) ولا يوجد إنسان على هذه المعمورة لم يذق ألم المصائب وما أوجعها على النفس وما أشدّها على من تقعَ عليهِ المصيبة، كموت أحد من الأهل أو الأقارب أو تفشل في العمل الوظيفي أو تضيق بك الدنيا بما رحبت، فالمؤمن المحتسب الصابر أوّلَ ما تنزل عليهِ المصيبة يقول حسبي الله ونعمَ الوكيل شآء الله وما قدّر فعل، فصبر المؤمن لوجهِ الله تعالى وتفويض الأمر إليه من أعلى مراتب الصبر فهو سبحانه من يأخذ ويعطي وهو أعلم منّا لأنّهُ كريم، ومن تركَ شيئاً على الله فهو حسبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.