الرئيسية / مقالات / ثقافة الإعتذار

ثقافة الإعتذار

بقلم الأستاذ: محمد يوسف مال الله

يقف الحر (ع) وقفة المتأمل والحيران ويخيّر نفسه بين الجنة والنار.. أأقتل الحسين (ع)، سيد شباب أهل الجنة وأدخل النار، أم أكون معه وأنال شرف الشهادة؟ والله لا أختار على الجنة شيئاً أبدا. ينطلق نحو معسكر الإمام الحسين (ع) مطأطئاً برأسه وعيناه إلى الأرض، خجلاً من فعلته.. هل لي من توبة يا أبا عبدالله؟ فيرد عليه صاحب القلب الرؤوف.. إن أنت تبت، تاب الله عليك، ليختم حياته بشهادة بقيت ليومنا هذا.
لم تكن أفعال الحر (ع) الشنيعة في حق الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام لتمنعه من التراجع والتوبة والإعتذار ولم تكن تلك الأفعال سدّاً منيعاً للإمام الحسين (ع) عن مسامحته والعفو والصفح عنه، بل كان تعامل الإمام الحسين (ع) معه بأعلى درجات الحب والمرونة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوّابون.
يؤكد الشارع المقدس على ضرورة الإعتذار، ذلك أنّ من طبيعة الإنسان الخطأ، غير أنّ العقلاء من الناس هم فقط من يدركون أنّ هذا الخطأ قابل للتصحيح والإعتذار لمثل هذا الخطأ حيث يرفعهم إلى مقامات عالية وبقدر نبلهم وحسن خلقهم يسعون جاهدين ومبادرين إلى الإعتذار لمن أخطأوا بحقهم وإن كان أقل منهم مكانة اجتماعية أو أصغر منهم سنّاً ذلك أنّ الإعتذار بحد ذاته يمثل مظهراً حضارياً وثقافة عالية وسلوك حسن، بل يعكس مقدار ثقة المرء المعتذر بنفسه واحترام الآخرين من بني جنسه.
لا تقتصر ثقافة الإعتذار على شعب معين أو فئة معينة أو ملة محددة، حيث أنّ الإعتذار بحد ذاته قيمة عالية من قيم الإنسان المتحضر وسلوك حسن من سلوكيات العقلاء، أولئك الذين يتطلعون إلى مقامات عالية ويسمون بأخلاقهم ويترفعون عن التعالي والتكبر والغرور الذي يصيب البعض منّا وكأننا ملوكاً وجبابرة، فكمال الفضائل شرف الأخلاق كما يقول إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد شهدت الكثير من المواقف التي تتطلب الإعتذار خلال دراستي الجامعية في الولايات المتحدة الآمريكية، ورأيت كيف هي بسيطة جداً ولا تتطلب الكثير من المخطئ، سوى أن يخرج من فاهه كلمة “آسف” (I am sorry).
يعتقد البعض أنه وبمجرد حصوله على مركز أعلى أو مكانة أرقى من غيره فإنّ له الحق بأن يتصرف كيفما شاء دون اعتبار لمن هم تحت إمرته ورئاسته أو حتى ولايته، فما أجمل أن نرى المعلم يعتذر لتلاميذه عندما يصدر منه خطأ أو تحدث منه زلة وكذلك المدير أو الرئيس حينما يقدم اعتذاره لموظيفه فهي من أرقى سلوكيات الإدارة الفاعلة، كما أنّ على الوالدين والإخوة الكبار تقديم اعتذارهم عند صدور ما يتطلب الإعتذار في حق ابنائهم أو إخوانهم أو أخواتهم فذلك يعضّد اللحمة والمحبة بينهم ويرفع من قدرهم وشأنهم.
هذا السلوك وهذا التصرف من كبار السن أو ذوي المراكز الرفيعة تخلق أجواءً من الاحترام والتقدير، بل لا يقتصر على العلاقات المهنية أو العائلية بل يجب أن يتعدى هذا السلوك إلى كل العلاقات الإنسانية بغض النظر عن نوعها وصفتها. وهذه الثقافة تحتاج إلى تدشين وممارسة مستديمة يراها الصغار فتكون طريقاً لبناء شخصيات تتحلى بالثقة بالنفس وتزرع في أذهانهم الرغبة في الإعتذار وفي أنفسهم حلاوته وتزيل من على عواتقهم صفة الخجل أو الضعف، ولا يقتصر هذا على الوالدين في تربية أبنائهم على هذا السلوك، بل نحن بحاجة إلى تبني مثل هذه الممارسات في مدارسنا ومجالسنا واجتماعاتنا.
هناك فرق كبير بين أن تعتذر لإيمانك بأن الإعتذار سلوك حسن وأن تعتذر خوفاً من الطرف الآخر وتجنباً من عقابه. علينا أن نعتذر لكل من أخطأنا في حقهم سواء كان طفلاً او ابناً او ابنةً او خادمةً او سائقاً أو عاملاً، قريباً كان أو بعيداً، مواطناً أو مقيماً، ذكراً كان أو أنثى، بل يجب أن لا نكتفي بالإعتذار لرؤوسائنا او لمن يفوقنا قوة فنحن بحاجة لثقافة الإعتذار وفق احترام الآخرين وليس الخوف منهم.
نخلص إلى أنّ الإعتذار تقويم لسلوك سلبي يظهر من خلاله مدى شجاعة الفرد على مواجهة الواقع والتحديات المغروسة لدى الكثير من الناس حول ثقافة الإعتذار على أنه ضعف ومذلة وإهانة للنفس. يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: (مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: (إنّ أحبكم إليّ وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً وأشدكم تواضعاً) والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.