الرئيسية / مقالات / المثقّف والفنّان

المثقّف والفنّان

انتقد مثقف لوحة لفنان عمل على لوحته لعدة سنوات وما أن سمع الفنّان ذلك النقد حتى انهال على المثقّف بوابل من الشتائم وكأنّ المثقّف اعتدى على حرمه أو سرق ماله، بل لم يكتف بذلك حتى أنّه، أي الفنّان، شتم كلّ المثقّفين والأدباء والشعراء وحرّض كلّ مَنْ يعرف من الفنّانين وانهالت وسائل التواصل الاجتماعي تضج بالويل والثبور لكل مثقّف ولم يكن في العالم ضجة أكبر من تلك التي قام بها أولئك الفنّانون.
لم يتوقف الأمر عند تلك النقطة، بل أخذ كلّ مَنْ هبّ ودبّ بالنيل من المثقفين ووصمهم بالعار والشنار واتهامهم بأنّهم سبب تخلّف الأمة، بل الكيد بها وإظهار أنّ المعتقدات والممارسات التي يؤمن ويقوم بها الناس غير تلك التي أمر بها الله وأنّ هؤلاء المثقّفين هم أساس البلاء والمحن التي تمّر بها الأمة.
ما هذا الجهل المرّكب عند ذلك الفنّان الذي لم يستطع أن يتقبّل نقدًا من شخص ربّما لديه من الحس الفنّي ما يكفيه للانتقاد، وعلى سبيل الفرض أنّ ذلك المثقّف لا يملك من الفن أية معرفة، ألا يجدر بالفنّان أن يتحدث معه بكل هدوء واستيضاح وجهة نظر المثقّف ومعرفة الأمور التي لم تعجبه في اللوحة ليستفيد منه ولو بجزء صغير!!!
لِمَ كل هذا الفعل الذي ينبئ عن قلة بصيرة وسوء تصرّف من الفنّان؟؟
ألا يحق لنا أن نتساءل؛ ما الذي عكسه الفن على شخصيّة هذا الفنّان؟
ما الذي جعل كل هؤلاء الناس في وسائل التواصل الاجتماعي يتسابقون على النيل من المثقّفين والأدباء والشعراء؟
الأغرب من هذا كلّه أنّ البعض ممن لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذه الضجة، لم يسلموا من الشتائم ما أن يفتحوا أفواههم بأية كلمة إيجابية تخص المثقّفين، بل يوضعون في مصاف المثقّفين وينالوا مما ينال المثقّفون.
ألا يجدر بنا أنّ نميز بين النقد البنّاء الموجّه للعمل والنقد الهدّام الذي يتم من خلاله شخصنة الأمور، أي التشهير بالشخص؟
علينا أن نفرّق بين النقد والتشهير، فالفرق واسع وكبير. إذ أنّ النقد يمثل تمييز الجيد من الرديء من الأفكار. وذلك باستخدام الأسانيد والأدلة التي يمتلكها الناقد للاستدلال على صحة المعلومات والأفكار من عدمه وتوضيح أوجه القوة والضعف والقصور والكمال في تلك الأفكار، دون المساس بسمعة أو عِرْض الشخص الذي تم انتقاده، فالنقد يسبر في مسارات قِيَمِيّة وأخلاقية وعلمية.
أمّا التشهير يعتمد في الأساس على إلحاق الأضرار بسمعة وعِرْض الشخص، ونشر ذلك بين الناس داخل البيئة المحيطة به بغرض التقليل من شأنه وإسقاطه مجتمعيًّا، وتحقيق أغراض دنيئة في حقه، وهذا مما نهى عنه الدين الحنيف.
جميل أن يكون هناك تكاتف وتعاضد ولكن ليس في مثل هذه الأمور التي تدعو إلى الإثم والعدوان. يقول سبحانه وتعالى: ﴿… وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
ولتبسيط المفهومين، فالناقد يوجّه نقده وكلامه نحو الأفكار والمعلومات، أمّا المشهّر فيوجه سهامه نحو الأشخاص وذواتهم وأعراضهم.
عدمّ تقبّل النقد مهما كان نوعه يدّل على ضعف شخصية المنتقَد وعدم كفاءته في إدارة الحوار والتعامل مع الآخرين ويتوجب عليه أن يطوّر هذا الجانب في شخصيته ولا يبقى على ذلك المستوى الذي قد يوصله إلى ما لا يُحمد عقباه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.