الرئيسية / مقالات / مصابيح الخيانة للكاتب : جلال عبدالناصر

مصابيح الخيانة للكاتب : جلال عبدالناصر

مرر كلتا يديه نحو خصرها وقبل كتفها العاري. وراح يهمس بدفأ قائلا: أسأل الله بأن يملأ عروقي بزعاف أفعى كتلك التي هلكت كليوباترا إن رأت عيني غيرك. فاستدارت ”نجلاء“ نحوه وفي عينيها رواية لا عنوان لها ولا ابطال بها غير ”أحمد“ الذي قطع وعده على شرفة فندق في سماء القاهرة. وفي صبيحة أحد الايام بينما كانت يداه تعانق يداها طلبت منه أن يحررها لتنطلق نحو أبو الهول الذي طالما حلمت بمعانقته. وما ان شاهد فرحتها حتى راح يحفر الارض بجانب أبو الهول ويملأ كيسا قماشيا بالتراب. وحين انقضى شهر العسل وعادا نحو الوطن. وحطت قدماهم في شقتهما التي تطل مباشرة على الخليج عانقها وقال لها: هي بضع سنون وسوف يكون لك بيتا يضاهي قصر محمد علي باشا. فضحكت ”نجلاء“ وقالت: ولما لا يكون مثل قصر نابليون؟!… ثم جاوبها قائلا: حسنا… كيفما تشائين وسوف تكوني اميرة القصر وأنا خادمك المطيع. وراح يفرغ التراب الذي أخذه من الجيزة في مصباح زجاجي أشبه بمصباح علاء الدين ويركنه إلى الرف الذي يضم صور والديه وشهاداته وكل ثمين. وفي الصيف الذي يليه وفي قلب لبنان وقفت ”نجلاء“ تتأمل في اعمدة بعلبك التاريخية. وفي لحظة سحرها غمس أحمد يده مرة أخرى في التراب وسحب من رمل بعلبك ليكون شاهد آخر على وفاءه وحبه الاوحد.
مرت السنون وحملت ”نجلاء“ مرار وانجبت مرار. وبقي الحب يزداد نموا مع كل صرخة ولادة. وليس ذلك فحسب بل كان ينهض كما طوفان هائج عندما بدأ منزل الاحلام بالارتفاع طولا والتوسع عرضا. وما ان صار عش الزوجية جاهزا لاستقبال أميرته حتى أصر أحمد على أن تسبقهم مصباحي الجيزة وبيروت في الدخول. وفي ليلة برد قارس كان المطر يهطل باندفاع من كل جانب كما أسهم رومانية مصوبة نحو ”نجلاء“ لتمزقها مع رضيعها وترمي بسيارتها نحو قارعة الطريق وتقطع انفاسهم للأبد. ويتحول قصرها لحفرة ضيقة وبجانبها بقايا من عظام من سبقوها. فحزن ”أحمد“ كحزن ”يعقوب“ وتحول منزل الاحلام إلى مقبرة أخرى كتلك التي تنام فيها ”نجلاء“. وماهي إلا أيام حتى عرض المنزل للبيع.
وفي صبيحة أخرى كان ”أحمد“ يجلس في المقهى وصوت فيروز يصدح ليحلق معه الفكر وكل الجمادات. وما ان ختمت فيروز وفرقتها تلك السيمفونية، حتى رمقت عيون ”أحمد“ خصلات من شعر ”أماني“ وحين دارت بوجهها نحوه كانت قد بعثت في روحه كل الاماني. فمضت الايام ويدها الناعمة لا تفارق يده، لتصبح قهوته وفاكهته ومتنفسه وأميرته…. نعم أميرته… أميرة منزله… أميرة منزل ”نجلاء“. فكر ”أحمد“ كثيرا في الامر وتذكر قصر نابليون وقصر محمد علي باشا… وتذكر الحب والوعود إلا أنه رفض أن يكون أسير لذكريات جثة ترقد تحت الثرى… ونهض من سريره وتوجه نحو مكتبه ورفع مصباح الجيزة ومصباح بعلبك وأخذهم نحو المخزن. وراح يملأ حوض السباحة بالشموع الراقصة وينثر الورد استعدادا لقدوم ”أماني“. وما أن حضرت حتى راح ”أحمد“ يبلل جسدها ليبدأ قلب ”نجلاء“ بالنبض ويضخ الزعاف في عروقها فهناك حتما من سوف يتجرعه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.