الرئيسية / مقالات / أبو الفضل العبّاس (ع) والإيثار

أبو الفضل العبّاس (ع) والإيثار

قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

يُعرّف الإيثار على أنّه المبدأ والممارسة الأخلاقية للعمل على سعادة البشر الآخرين، مما يؤدي إلى رفع مستوى الحياة المادية والروحية على حدٍّ سواء. لذا نجد أنّ التشريع الإسلامي أولى هذا الجانب اهتمامًا كبيرًا ما جعل الأنصار يتسابقون في الإيثار ويأنسون بهذا العمل.

الإيثار أعلى درجة من الكرم رغم أنّهما يتضمنان العطاء والجود، إلّا أنّ الإيثار أكثر شمولا وعمومية من الكرم، حيث أن الإيثار لا يعني فقط العطاء، بل يعني تفضيل الغير بالعطاء مع حاجة الفرد لما أعطى، ولكن المؤْثر يرى أنّ غيره أكثر منه حاجة، فيؤثره على نفسه.

لهذا نجد أنّ أبا الفضل العباس (ع) شعر بأنّ الإمام الحسين (ع) ونساءه وأطفاله أكثر حاجة منه للماء، فأبت نفسه الكريمة أن يشرب الماء قبلهم رغم أنّه تمكّن من الحصول عليه حين وصل إلى الفرات ليملأ القربة بالماء ويوصله إلى مخيّم الإمام الحسين (ع) برغم عطشه وحاجته إلى شرب الماء، حتى أنشد قائلًا:

يا نفس من بعد الحسين هوني.. وبعده لا كنتِ أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون.. وتشربين بارد المعين

تالله ما هذا فعال ديني

هذه التضحية وهذا الإيثار نابع من عقيدة صلبة وإيمان راسخ. فعن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: ”كان عمّي العبّاس بن علي (ع) نافذ البصيرة، صُلب الاِيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً“.

كيف لا يكون العبّاس (ع) كذلك وهو ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الذي بإيثاره للمسكين واليتيم والأسير، يُنزل الله سبحانه وتعالى في حقه وفي حق الزهراء والحسنين (عليهم السلام) قرآنًا يصدح بقراءته عموم المسلمين حتى يومنا هذا. يقول سبحانه وتعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].

هذا التشريع الإلهي للإيثار يحمل الكثير من الفوائد للفرد والمجتمع ومنها تزكية النفس ويزيد من التكافل واللُحمة الاجتماعية، ويبعد المجتمع عن عوامل الفرقة والعزلة تحقيقًا لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، كما أنّه يحقق الكفاية الاقتصادية والمادية في المجتمع، وكذلك العدل الاجتماعي بين الأفراد ونيل محبة وتقدير واحترام الآخرين وبه يعم الأمن والاكتفاء المادي للأسر المحتاجة وما أحوجنا هذا اليوم لمثل هذا العمل.

لنا في سيرة الرسول الأكرم (ص) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) والأنصار والمهاجرين رضوان الله عليهم أسوة حسنة في هذا الجانب وعلينا أن نُفعّل سلوك الإيثار في داخلنا، فهذا الشعور وهذا السلوك يرقى بنا وبمجتمعنا إلى مستوى أعلى من المحبة والألفة، متجانس ومتعاون، فالمسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. لنكن يدًا واحدة متعاونين ومن المؤثرين المعطيين وليكن العباس (ع) النموذج الذي نحتذي به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.