الرئيسية / مقالات / نظرتها التي زلزلتْ العالم

نظرتها التي زلزلتْ العالم

ضَجَّتْ ساحات التواصل الاجتماعي على إثر انتشار مقطع ڤيديو يوثِّقُ ضرب شخصٍ من جنسيةٍ عربيةٍ -يُقيم في العاصمة السعودية الرياض- لطفلته التي لم تتجاوز 12 شهراً بطريقةٍ وحشيةٍ ومُستفزَّةٍ لكل مَن شاهَده، حيث قُوبِلً الڤيديو بموجة غضبٍ اجتماعيةٍ عارمة، ومطالباتٍ بالقبض على هذا الأب – الذي يبدو أنه غير سويٍّ من الناحية النفسية – وإنزال أقصى العقوبة به.
ما حدث من هذا الكائن يفتح من جديد ملفّ العنف الأُسَري المُكتظّ بالقضايا، ويُزجي بإجراء هام لمرحلة الإقرار والتنفيذ وهو «فحص السلامة النفسية ما قبل الزواج»، فإذا كان أحد الوالدين أو كلاهما يعاني من مرضٍ نفسيٍّ لا غَرْوَ إذا تفاقمت نِسَبُ الأطفال غير الأسوياء نفسياً لأنهم على الضِّفة الأخرى يعانون مِنْ إرهاصاتٍ نفسيَّةٍ تفوق قدرتهم على التحمُّل وعنفٍ أُسَريٍّ يتجاوز طاقتهم.
يجب أن لا تنتهي هذه القضية -التي أمستْ قضية رأيٍ عامٍ- بإقرار أو إنذار أو تعهُّد، بل لا بُدّ أن تُسحب الوصاية من الوالد وتودع الطفلة عند أُسرة حاضنة أو دار رعاية رسمية ريثما يتم الانتهاء من الإجراءات الرسمية الرادعة، وخضوع الوالد لتقييمٍ نفسيٍّ وجلسات علاجية وتأهيلية مُكثَّفة إن ثَبَتَ اعتلاله النفسي، ولا تُستَردُ وصايته لها إلا من بعد التأكد من تماثله للشفاء التامّ، ومن ثم توقيعه على تعهدات صارمة بعدم المَساسِ بأطفاله، فإبقاء هذه الطفلة المُعنَّفة وإخوتها مع والد بهذه الكيفية لهو خطر جسيم يُحَدِّقُ بهم في كل حين.
سبب تفاعل العالمُ مع حادثة هذه الطفلة التي تعرَّضتْ للتَّعنيف هو توثيق الحادثة وتداولها، لكن هذه حالة واحدة من بين عشرات بل مئات الحالات التي تحجبها جدران البيوت ولا نعلم عنها شيئاً، فما وَصَلنا هو غيضٌ مِنْ فيض، وما خفي كان أعظم.
من التعليقات التي شدّتني في «تويتر» وجعلتني أقف عندها للتدبُّر والتفكّر تعليق لمُغرِّدٍ كان يقول إنه على استعداد أن يتكفّل برعاية هذه الطفلة طيلة حياته لأنه محرومٌ من الذُرِّيَّة لأكثر من 15 سنة. عجبي.. المحروم من النعمة يتمناها، والموهوب إياها يُفرِّط بها أيّما تفريط.
لا بأس يا صغيرتي، فالعالم كله يعتذر لقلبك الصغير، فقد كَسَرَتنا نظرات الاستغاثة منك، وخَذَلَتنا قُدراتنا العاجزة عن إنقاذك من أقرب الناس إليك، فما أقبح أن يكون خوفك من أمانك وخطرك من ملاذك.
من كان يختبئ خلف كاميرته لالتقاط هذه المشاهِد المؤلمة لم يكن يعلم أنه سيتلقط بعد ذلك قطعاً من أفئدتنا. نظراتك يا بُنيَّة زلزلتْ العالم فما بالها لم تُحرِّك الأرض مِنْ أسفله.
ظاهرة توثيق التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان وممارسات العنف الأُسَري أصبحت لافتة، ويبدو أنَّ هؤلاء المرضى والخارجين عن القانون يتلذَّذون بما يفعلون، وهذا ما يقودهم لتوثيق جرائمهم وأمراضهم بتصويرهم لها، والذي يعود عليهم في نهاية الأمر بالويل والثبور. الأب يزعم أن الأم هي مَنْ قامت بنَشر المقطع، وإذا صحّتْ مزاعمه، هل نشرها للمقطع – الذي تبيّن لاحقاً أنه قديم – كان بدافعٍ كيدي أم بُغية إيصال صوتها للعالم وإنقاذ أطفالها بعد أن ضاقتْ ذرعاً ونفد صبرها؟
بقيَ سؤالٌ يَعْتَلجُ في صدري سأضعه بين أياديكم ثم أجنَحُ للرحيل: المُتأمِّل لنظرات الاستجداء التي كانت تُطلقها الطفلة إزاء الشخصية التي كانت تصوِّرها يستدلّ على أنها شخصيةٌ لصيقةٌ بها. ترى مَنْ هي؟

الكاتب الأستاذ: رائد البغلي

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.