الرئيسية / مقالات / رحلوا ولكن .. !

رحلوا ولكن .. !

هناك ذكريات مؤلمة عصيّة على النسيان، تسافر معك أينما ذهبت، وتُهيمن على مساحةٍ كبيرةٍ من ذاكرتك، وتأبى مبارحتها مهما تقادَمَت، ومن الذكريات التي يصعب علينا تجاوزها هي ذكرى الفقد.

ما يفجعنا في رحيل الأحبة ليست فكرة الغياب وحسب، لأن كثيرًا من الناس لا تراهم عيوننا، لكن تتأثر برحيلهم قلوبنا، ففكرة غياب الجسد مؤثّرة ولاشك، لكن يبقى الوقع الأكبر لفكرة غياب الروح وانقطاع الوَصل بها.

قَطعًا لدى كل منّا أقرباء ربما لو رآهم على قارعة الطريق فلن يعرفهم، لكن لو سمع بفقد أحدهم -لا سمح الله- حتمًا سيُصعَق ويتألَّم، ليس لفكرة عدم رؤيته مُجدَّدًا، لأنه لم يره سابقًا، لكن لفكرة انتزاع الروح، وهذا دليل اتصال الأرواح وإن لم تلتقِ الأجساد.

لو خُيِّرَتْ أيُّ أمٍ بين موت ولدها، أو بقائه بعيدًا عنها أبد الدهر، فحتمًا سوف تختار الثانية، فظاهرًا النتيجة واحدة لأنها لن تراه في كلتا الحالتين.

عظيم الشوق يكون لشخصٍ عزيزٍ رحَلَ عن هذه الدنيا وتعلم أنه لن يعود، فيُصبح الشوق نارًا تسعر في جوفك لا مُطفئ لها ولا عودة لمُشعِلها.

رحلوا ولكن خلَّفوا بقايا عبقهم وبعض أشيائهم وشيئًا من وصاياهم وأحاديثهم، رحلوا ولكن تركوا أرقام هواتفهم التي كانت تربطنا بأصواتهم، ورسائلهم النَصّية التي تُخلِّدُ أجمل عباراتهم، وصورهم الفوتوغرافية التي تحفظ ملامحهم.

كل تلك الأشياء ثمينة، لكن تتضاعف قيمتها بمرور الزمن عليها، وتتضاعف قيمتها أكثر وأكثر برحيل أصحابها.

لا زلتُ أتذكّر لحظات نظرة الوداع لوالدي -رحمه الله- حين وفاته، رَمَقْتُ إليه النظر وهو مُسَجَّى على المُغتسَل ووجهه قد ازرَقّ، ومازلتُ أتذكّر لحظات حمله على الأعناق حتى أُودِعَ لَحْدَه وغاب عن ناظري، كانت من أصعب لحظات حياتي، إن لم تكن أصعبها على الإطلاق، كلما راودتني تلك اللحظة استعدتُ شعوري حينها بحذافيره.

مازلتُ أتذكر الصديق الراحل أسامة جعفر من السودان الذي وافته المنية عام 2013 م، في حادثٍ مروريٍ مُروِّع مع والديه وشقيقه على طريق المدينة – الرياض، كان يحكي لي قبل الحادثة عن نيته استخراج تأشيرة «زيارة» لوالديه، لأنه ينوي أن يعتمر معهما، وبالفعل أبلغني بعد ذلك عن مقدمهما للسعودية، وكأنه أتى بهما كي يلقيا حتفهما، أو كأنه شَعَر بدنوّ أجله، فاختار أن يعتمر معهما ومن ثم يرحلون عن هذه الدنيا سويًا، ومازلت أتذكر وأتذكر وأتذكر، وبحر ذكرياتي لا قرار له.

كم من عزيزٍ لم أقتنع بنبأ وفاته، فصرت أحاول الاتصال به على جوَّاله، ولكنني لا أجدُ إلا رسالةً صوتيةً تقول «إن الهاتف المطلوب لا يمكن الاتصال به الآن»، فأُوقِن أن الطُّرق إليه كلها أصبحت موصدة.

رأي/ رائد البغلي
صحيفة الرأي السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.