الرئيسية / إسلاميات / مراسم عاشوراء بين كِفّتين

مراسم عاشوراء بين كِفّتين

هناك منحيان بشكل عام يتمايز بهما البشر في منهجية التفكير. أحدهما عقلاني والٱخر عاطفي. وتلك سمة تكوينية طبيعية في الوعي البشري لا تشكل أي اختلال إذا ما تمت بشكل متكامل، بل يحتاج الفرد لذلك ليمارس أموره الحياتية ويتخذ قراراته بحيادية في ظل التوافق بين الجانبين. الخلل يكمن في غلبة أحد الجانبين على الٱخر. وهذا ما يخلق التوجهات الفكرية المنحرفة كالمادية التي تؤمن بالعلم التجريبي المجرد فقط وترفض كل الغيبيات، وعلى النقيض هناك ما يسمون بالروحانيين الذين يعولون فقط على الغيب وعالم الروح والماورائيات ويحملون الأمور الطبيعية ما لا تحتمل من التفسيرات والمدلولات الخرافية.
وفي التعاطي مع قضية عاشوراء لا يبتعد الأمر عن ذلك كثيراً، فتجد من يغلب عليه الجانب العاطفي يتفنن في الممارسات الطقوسية، كأن يغمر نفسه في الطين أو يدمي جسده بٱلات حادة أو يزحف على التراب، لأنه يجد في ذلك تعبيراً بليغاً عن حزنه وجزعه فالقضية بالنسبة له قضية عاطفية بحتة لا أكثر ولا أقل.
ومن يغلب عليه الجانب العقلاني يبتعد عن المظاهر الطقوسية وعن كل مظاهر الحزن بل يحاربها لأنه يجد فيها جهلاً وتبعية عمياء وتخلفاً ويبحث عن الجانب الرسالي والفكري في النهضة الحسينية.
والحقيقة أن الصواب قد جانب كليهما فليس من الحكمة أن نميع أهداف الثورة في مجرد طقوس و مظاهر، فتكتسب بذلك بعداً ميثولوجياً يقربها من جو الخرافة، ولا أن نقصرها على الجانب التثقيفي والتوعوي فتخمد نارها ويزول ذكرها مع الزمن.
الصواب في تحقيق التكامل بين الجانبيين فالجانب العاطفي المتمثل في نشر مظاهر الحزن والحداد في حق أبي عبدالله عليه السلام لا يقل أهمية عن الجانب الرسالي  لأنه الوعاء – إن صح التعبير – الذي يحمل أهداف النهضة الحسينة وينقلها للعالم ويبقي عليها خالدة عبر الزمن.
وهنا يتجلى دورنا نحن في حمل رسالة الحسين عليه السلام للعالم بشكل حضاري ومقبول عند البشر على اختلاف أطيافهم وثقافاتهم، فلا نغلب الجانب العاطفي ونمارس الجهل والإسفاف في إحياء الشعائر فنحول عاشوراء إلى مظاهر هزلية ونقزم بذلك أنفسنا أمامهم فينظر لنا العالم بعين الشفقة وبذلك نساهم في تشويه الرسالة الحسينية، ولا نلغي الجانب العاطفي وننسف كل مظاهر الحزن فنفقد الوعاء الذي وصلت لنا أهداف وقيم نهضة عاشوراء من خلاله ونعجز بذلك عن نقلها لمن هم بعدنا.

لذلك يقال أن الحسين عليه السلام عَبرة و عِبرة.

مراسم عاشوراء بين كِفّتين | بقلم جاسم المهدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.