الرئيسية / مقالات / الإيثار

الإيثار

بقلم الأستاذ: محمد يوسف مال الله.

“إنّ أعظم فضائل العباس (ع) أنّه “أبو الفضل” كلّه، فقد كان شوكة في عيون الأعداء، ولمّا فشلوا في نزعه من عيونهم، زرعوا الشوك في عينه، والحديث عنه لا ينتهي، وهل ينتهي الحديث عن الفضائل؟”، لقد امتازت شخصيته بالكثير من الفضائل التي لا تُعد ولا تحصى، بل يكفيه أنّه ابن البطل الضرغام، حيدرة الكرار علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد أحببت أن اكتب عن صفة من صفاته وخاصة من خواصه التي قلّما نجدها وإن وجدت فليست بمقدارها أو حجمها. إنها “الإيثار”، “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ”.
الإيثار يعني الفداء وتقديم شخص آخر على النفس، وبذل المال والنفس فداءً لمن هو أفضل من ذاته كما يتبعه عفة واسـتغناء، فهل يصدق هذا المعنى على جميع علاقاتنا الإجتماعية بغض النظر عن نوعها؟ والجواب على ذلك، نحن بحاجة ماسة لمعرفة بعض الأمور الهامة في شخصية العباس (ع) كي نستلهم المعنى الحقيقي للإثار. فالعباس (ع) لم يؤثر الإمام الحسين (ع) لمجرد القرابة وأنه أخوه، وإنما للعلم واليقين الذي ملأ قلبه بأنّ الإمام الحسين (ع) إمام مفترض الطاعة وأن ما يقوم به هو الحق وإعلاء كلمة الحق، وقد امتلأ إيماناً من رأسه إلى أخمص قدميه، وبهذا الإيمان تبلورت وتكاملت شخصيته.
لكل منّا طابعه الخاص ويتمتع بأخلاقيات مختلفة عن الآخر، وهذه الطباع والخصائص والأخلاقيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتركيبة الفسيولوجية للإنسان والبيئة المحيطة به، والمجتمع الذي يعيش فيه. فمن ناحية التركيبة الفسيولوجية للإنسان فإننا نلحظ الإختلاف في تصرفات الرجل عن المرأة وذلك أن الرجل طابعه الخشونة والقوة، حتى وإن امتلك صفات الرأفة والحنان والعطف والرحمة، فهذه الصفات لا تختلط بقراراته الشخصية أو قلّما يكون لها تأثير على قراراته، مما يجعله يتصرف غير المرأة التي هي بطبيعتها كتلة من الحنان والعطف والحب.
كما تلعب البيئة دوراً هاماً في التأثير على شخصية الإنسان، فهو عنصر مميز من عناصرها ومكوّن فريد من مكوناتها، وعلاقة الإنسان ببيئته الطبيعية لا تتحول إلى سيطرة بمسيطر عليه أو علاقة مالك بمملوك، إنما علاقة أمين استؤمن عليها بكل ما يعنيه من وفاق وانسـجام وتكامل معها، وبكل ما يترتب عليه من سلوك بفضل طاقاته الخلاقة، ومن خلال تفاعله مع البيئة يواجه أحداثاً وتغيرات مسـتمرة لكل منها تغيرات يجب أن تمكث في إطار الحدود التي فرضتها السنن الطبيعية والخصوصيات البيولوجية والعقلية الثابتة للفطرة البشرية، يتصرف من خلالها وتحت قوانينها. يقول سبحانه وتعالى: “إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا وإمّا كفورا “.
بالإضافة إلى ذلك نجد أنّ المجتمع له دور كبير في بناء شخصية الفرد، حيث أنّ الإنسان بطبيعته اجتماعياً، فكل فرد من البشر مفطور على ذلك، ولم يزل الإنسان يعيش في وضع اجتماعي على مر الأيام والسنين منذ أن سكن الأرض ليعيش عليها واستخلف فيها، وقد أنبأنا القرآن الكريم عن ذلك أحسن إنباء، حيث يقول سبحانه وتعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”.
بعد أن عرفت المؤثرات ودورها في بناء شخصيتك، يأتي السؤال المهم، ألا وهو .. ما مقدار الإيمان الذي تتحلى به ولأي درجة يمكن أو تسمح ذاتك لأن تؤثر الآخرين على نفسك؟ أدع الجواب لك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.